أخبار الأسبوعأدبأدب وشعرالأسبوع العربيالثقافة والفنونفنقرأت لكقصة قصيرةقصص ورواياتمجلة الأديب العربيمجموعة قصصيةمنوعات

الفرار

الفرار قصة قصيرة من مجموعتى القصصية الهروب

بقلم/ أحمد درويش الغربى

قلبي يتعثّر في صدري.
أجري.

لا ألتفت، كأن الالتفات اعتراف،
وكأن التوقّف خيانة أخيرة لما تبقّى مني.

هواء الليل يجلد وجهي،
أنفاسي تتلاحق،
لكن رأسي أثقل من صدري،
ممتلئ بأصواتٍ لا تهدأ.

أنا أهرب
هكذا سمّيت الأمر أخيرًا.

أرضٌ أخرى تنفتح تحت قدميّ.
بلاط الممر الطويل في مقر عملي.
الضوء الأبيض، الملفات المكدّسة، ورائحة القلق القديم.

صوت المدير، ثابت كالمطرقة:
الأرقام لا ترحم يا أستاذ. إن لم توقّع… فغيرك كثيرون.

عيناه لا تغضبان، لا تتوسلان.
عينان تعوّدتا سحق المترددين.
أرى القلم أمامي،
كأنه سكين صغيرة تنتظر يدي.

ينطفئ المشهد.

أشدّ قبضتي،
وأزيد سرعتي.

نعم
أنا أهرب من العمل،
من هذا الكرسي الذي لا يتّسع إلا لمن يترك جزءًا من روحه تحته.

وجهٌ آخر يقطع الطريق.

زوجتي.
أمام المرآة.
الفستان جديد،
لكن عينيها قديمتان، متعبتان من الانتظار.

لا تنظر إليّ:
إلى متى سنبقى هكذا؟
الناس تصعد… ونحن مكاننا.

أقول، كمن يقدّم اعتذارًا محفوظًا:
«
أفعل ما أستطيع

تشدّ القماش بين أصابعها:
هذا لا يكفي.
افعل أي شيء.

أيّ شيء.

الكلمة تلسعني كلما عادت،
واسعة، بلا ضمير.

يتبدّد المشهد.

أجري أسرع.
كأنني أهرب من نظرتها أكثر مما أهرب من صوتها.
من خوفها الذي صار عبئًا على كتفيّ.

يرن الهاتف
لا في جيبي، بل في رأسي.

صوت ناعم، واثق، بلا ارتجاف:
التوقيع بسيط
والمقابل سيغيّر حياتك.

أقول، وأعرف هشاشتي:
«
هذا مخالف للقانون

ضحكة قصيرة:
القانون؟
لا تكن مثاليًا… الجميع يفعل.

أرى الظرف السميك فوق الطاولة.
أرى يدي،
لا تمتد
ولا تنسحب.

أتنفّس بصعوبة.

أنا أهرب من المال الذي يشتري الصمت،
من الصفقة التي تجعلني أنظر في المرآة فلا أعرف من يقف أمامها.

يتلاشى الصوت،
لكن ثقله يبقى.

ثم يأتي المشهد الأقسى.
الأبطأ.
الذي لا يمكن تجاوزه بالجري.

الاسم الذي ظهر في نهاية المكالمة.
اسمه.

صديقي القديم.

ذاك الذي اقتسمت معه الساندويتش في أيام الضيق،
وشرحت له الدروس حين كان يفقد الأمل.

أراه الآن خلف مكتب زجاجي،
يربّت على كتفي بابتسامة مدروسة:
الدنيا فرص
وأنت تستحق فرصة أخيرة.

أقول، بصوتٍ لا يشبهني:
لم أتخيّلك هكذا.

يبتسم أكثر:
وأنا لم أتخيّلك فقيرًا إلى هذا الحد.

تتعثر الخطوات.
يتباطأ الجري.

أفهم الآن.
أنا لا أهرب من الأشخاص،
بل من المقارنة.
من المرآة التي تضعني دائمًا في الصف المتأخر.
من الحلم الذي صار يسبقني.

وفجأة
تسقط كل الأقنعة.

أنا لا أهرب من العمل،
ولا من زوجتي،
ولا من المال،
ولا من صديقٍ اختار طريقًا آخر.

أنا أهرب من نفسي.
من قرارٍ ظل معلقًا،
ومن ثمنٍ لم أملك الشجاعة لأدفعه
ولا القسوة لأقبله.

تصمت الأصوات.

يتباطأ العالم.

وخزة حادة تشق صدري.
تتوقف قدماي رغمًا عني.
أحاول أن أتنفّس
لكن الهواء يخذلني.

أسقط.

السماء فوقي ساكنة،
لا تطلب توقيعًا،
ولا صعودًا،
ولا تنازلًا.

يخطر لي خاطر أخير،
هادئ، غريب، كأنه ليس لي:

ربما
يكون هذا
أفضل هروب.

يتوقف القلب.

وأخيرًا
لا جري،
لا فرار،
لا شيء.

الرئيسية

صفحتنا على الفيس  بوك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى